
سؤال التوريث: مسرح لخلافات بين التكتلات والنخب السياسية في مصر
القاهرة: عبد الستار حتيتة
9-11-2009م
الصعود على درجات عشَّش على جانبيها العنكبوت للوصول إلى فعاليات لناشطين من المعارضة المصرية، يشبه المأساة والملهاة معا. فمنذ وقت طويل كانت المنتديات التي يعقدون فيها فعالياتهم مغلقة، إلى أن برزت من بين الثقوب خلافات، واختلطت الأوراق والأدوار بينهم، بسبب ما أصبح يطلق عليه البعض «عقدة التوريث». بعضهم يعارض ما يسميه «مشروع توريث الحكم من الرئيس المصري حسني مبارك، إلى ابنه جمال»، تشارك فيه جماعة الإخوان وتيارات نخبوية من توجهات مختلفة.
وبعضهم، وغالبيتهم من أحزاب صغيرة يطلقون عليها في مصر «الأحزاب الورقية»، يحذر من الفوضى، داعيا للتمسك بالأطر الدستورية والقانونية، والرد على المحذرين من التوريث، بالقول إن مصر فيها دستور ينظم عملية انتخابات الرئاسة، سواء تقدم للانتخابات جمال مبارك أو غيره.
والبعض الثالث يقف ما بين بين، ويمثلهم في هذا أحزاب معارضة تعرف بأنها «أحزاب قديمة وكبيرة ورئيسية». وحين تجلس في آخر الصفوف، لتشاهد ما يدور على خشبة المسرح، تقع في حيرة.. فكل من أمامك معارضون، لكنهم لا يعارضون الحزب الحاكم فقط، بل أيضا يعارضون بعضهم بعضا، حول الطريقة التي ينبغي التعامل بها مع قضية فرضت نفسها على الأوساط العامة المصرية، وهي كيفية انتقال السلطة في البلاد، وهل الحزب الحاكم سيرشح الرئيس مبارك لهذا الموقع مجددا، أم أن الرئيس سيعتزل، وبالتالي يدفع الحزب الحاكم بمرشح تقول المعارضة إنه سيكون بلا شك جمال مبارك.
من وسط هذه الأصوات المتداخلة على مسرح السياسة المصرية، تستمع لأسماء يقول البعض إنه جرى إقحامها على النص إقحاما، منها اسم الأمين العام للجامعة العربية وزير الخارجية المصري الأسبق، عمرو موسى، ورئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، المصري، محمد البرادعي، وعالم الكيمياء الحاصل على جائزة نوبل، المصري، الدكتور أحمد زويل. على الرغم من أن هذه الأسماء وغيرها من أسماء لشخصيات مستقلة، لا يمكنها التقدم لمنافسة مرشح الحزب الوطني المنتظر، لأن قبول ترشحها يتطلب الحصول على تزكية من 250 عضوا من أعضاء مجلسي الشعب والشورى والمجالس المحلية، وهي تزكية صعبة المنال، بسبب خلو مجلس الشورى وغالبية المجالس المحلية، من العدد الكافي من الأعضاء المستقلين أو المعارضين. الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، وهو يراقب كل هذا المشهد المتعدد الفصول، يقول إنه أمر طبيعي في دولة ديمقراطية، أن يحدث مثل هذا الجدل، لأنه «كلما ارتفع صوت الحزب الوطني، ارتفعت أصوات المعارضين». وأكد كل من صفوت الشريف أمين عام الحزب، وجمال مبارك، الأمين العام المساعد، وكذا قيادات حزبية أخرى، خلال مؤتمره الذي اختتم أعماله يوم الثلاثاء الماضي، أن تسمية اسم مرشحه للرئاسة، «أمر سابق لأوانه». لكن الآلاف من الناشطين في الحزب الحاكم، ممن أسسوا مجموعات على الموقع الاجتماعي «فيس بوك»، لم يخفوا تأييدهم لجمال مبارك، في الترشح لرئاسة الدولة، في حال عدم ترشح الرئيس مبارك.
في ظلال كل هذا الغبار تمتلئ وسائل الإعلام المحلية، الخاصة والمعارضة، بالعشرات من الافتراضات، وبشكل يومي، عمن سيخلف الرئيس مبارك، وعما إذا كان الرئيس سيستمر في الحكم، وإلى أي مدى يمكن لابنه أن يتقلَّد مقاليد الحكم من بعده. ويقع الكثير من المراسلين الأجانب في مصر، في حيرة، مثلهم مثل عديد من الدبلوماسيين والاقتصاديين العاملين في القاهرة.. الكل أصبح يقف أمام أنشوطة اسمها «عقدة التوريث» دون أن يعرف أحد من الذي أوجدها، ولماذا.. هذا على الرغم من أن انتخابات الرئاسة في مصر مقرر لها سبتمبر (أيلول) عام 2011. ونحن نصعد درجات سلالم مركز الدراسات الاشتراكية في رقم 7 من شارع مراد بمحافظة الجيزة، الملاصقة للقاهرة، كانت خيوط العنكبوت منسوجة على جانبي الدرجات التي تؤدي إلى الطابق الثاني.. هنا اجتماع لنشطاء فيما أصبح يعرف باسم «الحملة المصرية ضد التوريث»، بعد أيام من لقاءات أخرى عقدوها في مقرات لهم ظلت مغلقة لزمن طويل بسبب قلة النشاط السياسي. كانت هذه الحركة الموجهة ضد ترشح جمال مبارك للرئاسة، تطلق على نفسها «ما يحكمش»، لكن تم تغيير اسمها بعد استهجانه في أوساط عامة بمصر، حيث إن هذه الكلمة كانت ترد على لسان سيدات في مناطق مصرية شعبية، للتعبير عن رفضهن الوصاية عليهن من قبل أزواجهن أو أقربائهن أو حمواتهن، وتحتفظ ذاكرة السينما المصرية باستخدامات فضفاضة لهذا التعبير في أفلام شهيرة، وعلى لسان ممثلات مثل تحية كاريوكا وسامية جمال.
أول اجتماع تأسيسي لحركة ضد التوريث شارك فيها، منذ الإعلان عنها بداية الشهر الماضي، 13 شخصية سياسية من بينهم الدكتور أيمن نور مؤسس حزب الغد، الذي جاء تاليا للرئيس مبارك بفارق كبير في انتخابات الرئاسة عام 2005، وكذا عضوا البرلمان محمد البلتاجي والدكتور فريد إسماعيل، ممثلين عن جماعة الإخوان المسلمين، وحمدين صباحي وكيل مؤسسي حزب الكرامة، ومحمد أنور السادات وكيل مؤسسي حزب الإصلاح والتنمية، والدكتور عبد الحليم قنديل، المنسق العام لحركة كفاية. وظهرت حركات أخرى مماثلة، لحركة «ضد التوريث»، منها «الحركة المصرية من أجل انتخابات نزيهة»، و«مصريون ضد تزوير الانتخابات»، و«مصريون من أجل رقابة دولية على الانتخابات البرلمانية والرئاسية»، وغيرها من المسميات المشابهة، التي تدور جميعا حول «عقدة التوريث».. لكن كل هذه الحركات تعمل بدون ترخيص من السلطات، لأنها ليست أحزابا ولا جمعيات أهلية.
كانت جماعة الإخوان المسلمين، كما لاحظ القيادي في الحزب الحاكم، اللواء محمد عبد الفتاح عمر، قاسما مشتركا بين هذه الحركات التي تجمع بين الشامي والمغربي (من أقصى التشدد اليساري لأقصى التشدد الديني لأقصى التشدد الليبرالي). ويشير عبد الفتاح إلى أنه لم تعد هناك حركة ولا مجموعة تخلو من عضو يمثل جماعة الإخوان التي تتعامل معها الحكومة على أنها «جماعة محظور نشاطها في البلاد»، لأنها تستغل الدين في العمل السياسي، ولأنها «ليست حزبا ولا جمعية أهلية، وليس لها أي إطار قانوني يسمح لها بممارسة العمل السياسي». وحظيت الحركة المصرية ضد التوريث (ما يحكمش، سابقا) على اهتمام مماثل للاهتمام الذي حظيت به حركة «كفاية» عند ظهورها لأول مرة قبل خمس سنوات، رافعة شعار «لا لتوريث جمال مبارك ولا للتمديد لحسني مبارك».. إلا أن حركة «ما يحكمش»، وعلى خلاف تجربة «كفاية»، تواجه العديد من المصاعب في عملها لارتباطها أولا بجماعة الإخوان الملاحقة أمنيا، وبمؤسس حزب الغد الذي يحظر القانون اشتغاله بالسياسة، كونه صدر ضده حكم بالسجن في قضية مخلة بالشرف هي قضية تزوير توكيلات تأسيس حزبه عام 2005. بيد أن منسق الحركة المصرية ضد التوريث، الدكتور حسن نافعة، والنائب البلتاجي، الذي يمثل جماعة الإخوان في الحركة، يأملان في طرق أبواب الأحزاب، كما فعلوا مع حزب الجبهة الديمقراطية المعارض أخيرا، مع أنهم يقولون إن هذه الأحزاب، التي تعمل بتراخيص من
المزيد