بين "نصرالله" وصدَّام حسين
راشد صالح العريمي
16-5-2008م
بالأمس القريب ابتليت المنطقة بحروب صدَّام العبثية، وغزواته الجنونية، وابتلي لبنان بحرب أهلية مديدة ما زالت جراحها فاغرة وذكرياتها نازفة. واليوم يعيد "سيد" منظمة "حزب الله" تنشيط ذاكرة شعوب المنطقة على كل تلك الكوابيس والجروح. فبعد حربه المفتعلة ضد المحتلين الإسرائيليين، على نحو يذكِّر بحروب صدَّام الهوجاء، وبعد أن استدرج آلة العدوان الصهيونية العمياء لتعيث تدميراً وتخريباً في لبنان، لم يُظهر أدنى اعتراف بالجميل للبنانيين الذين وقفوا معه عن بكرة أبيهم وخاضوا إلى جانبه بصبر ووطنية حرباً هوجاء فُرضت عليهم فرضاً، في توقيت لم يؤخذ رأيهم فيه، وبوسائل لم يستعدُّوا لها بما فيه الكفاية. وحين انجلى الدخان عن خراب بلد كامل، ومآسٍ اقتصادية وإنسانية لا حدود لها، سرق "حزب الله" بكل فجاجة وخفة انتصار وإنجاز لبنان الوطن والشعب، وأقام احتفالاته الصاخبة بـ"نصر إلهي"، كان هو أقل المساهمين فيه. وفي حين كانت سرادقات العزاء في ضحايا العدوان الإسرائيلي ممتدة في كل مدن وقرى لبنان الوطن والشعب من الشمال إلى الجنوب، كانت جوقة إعلام "نصرالله" و"حزب الله" و"حسب الله" و"آية الله"... الخ تتبادل أنخاب "النصر" المزعوم -على طريقة احتفالات صدَّام بـ"انتصار" أم المعارك- وكل ذلك على أشلاء الوطن الهامد الجريح المستباح والمذبوح من الوريد إلى الوريد.
ومثلما قلَب صدَّام ظهر المِجن لشعوب دول الخليج العربي وتنكَّر لجميلها في حربه مع إيران، وطعنها في الظهر بغزو غادر لدولة الكويت، زاعماً أن طريق القدس يمر عبر جارته الخليجية، ها هو صنوُه "حسن نصرالله" ينقلب على أبناء وطنه الذين احتضنوا منظمته وتحملوا نزقها، ويوجِّه سلاحه المسموم إلى صدورهم العارية، أيضاً بحجة أن طريق القدس يمر عبر بيروت والجبل. فما أشبه الليلة بالبارحة. وما أشبه "نصرالله" بصدَّام حسين.
ولا تقف ممارسات "حزب الله" عند هذا الحد من استنساخ تجارب صدَّام، كما لا يقف حجم انخداع قطاعات من الرأي العام العربي بمغامرات وتهورات الاثنين عند سقف قريب. وهنا الكارثة. فمثلما ملأ صدَّام تسعينيات القرن الماضي بخرافات كـ"جيش القدس" وكتابة أسمائه الـ99، وبدَّد كوبونات النفط على وسائل إعلام مأجورة لتلميع خرافة "انتصاراته الإلهية"، ها هو "حزب الله" (هل أقول اللبناني؟) يجيِّش سيركاً من وسائل الإعلام المليشياوية المحترفة، لإعادة تمثيل نفس مسرحية صدَّام، لبيع سرابه، ضحكاً على ذقون السذج والبسطاء، واستقواءً بالبعيد على القريب، وتحريفاً وقلباً لحقيقة كل ما جرى ويجري في لبنان هذه الأيام.
لقد سرق "حزب الله" جميع أخطاء صدَّام حسين، ومسرحياته، وأعاد تمثيل وقائعها المنحوسة، على مسرح المنطقة الدامي، واحدة بعد الأخرى. وسرق انتصار اللبنانيين في حرب صيف 2006، ونسبه لنفسه ولحلفائه وسادته البعيدين، وأقام من أجل ذلك هرماً هائلاً من الادعاءات الزائفة ذات الطابع المذهبي الديني. وسرق أيضاً، قبل ذلك وبعده، اسم حزب الله القرآني، فادعاه ونسبه لنفسه، على رغم بُعد الشقة بينهما في المعنى والمبنى.
لقد تأسست عبقرية لبنان طيلة تاريخه على ثابت واحد هو التعدد داخل الوحدة، والتنوع في إطار الانسجام، والثراء الثقافي والتعايش السكاني والتسامح الديني، في حين ظل كل ما عدا ذلك متغيراً وسائلاً. وإذ يضع "حزب الله" نفسه اليوم استثناءً من تلك القاعدة التاريخية اللبنانية، وعائقاً أمام اطراد سُننها، فليس لذلك سوى معنى واحد، هو قرب انتفاء الشذوذ وبقاء القاعدة. وهي حقيقة كونية ومهمة تاريخية ليست مستحيلة على وطن بتاريخ وجغرافيا لبنان.
راشد صالح العريمي





